بالأمسِ كانا يتعَانقَانِ في كبِدِ السَمَاء..
واليوم..اليوم أصبَحَ أحدهما ينتظِرُ أُفولَ الأخرِ حتى يُشرِق..
فالسماءُ ما عادت هي نفسُ السماء..
والأرضُ.. حتى الأرضُ تاهت..
ما عَادت تعرِفُ كم دورةً حولَ الشمسِ دارت..
والنجومُ في أمرِها احتارت.. وبينها دَبَّ الخِلاف..
نجمةٌ شديدةُ اللمعَان تقولُ أنَّ السماءَ دُونها لا تستحِقُّ أيَّ ثناء..
وأن كُلَّ النجومِ تأتيها عُنوةً تسألها العطاء..
تزاحمت كل أنواعِ الشقاءِ في سقفِ السماء..
وراحَ الكونُ كُله يشكو من عناءِ العناء..
ماذا عساني أقولُ؟.. وكيفَ عساني أُفكِر؟
فالكُلُ من حولي راح يُدمِّر..
وكأنَّ طيورَ السلامِ اغتالت شيئاً كان يدعى صفاء..
لستُ أذكُر,,ربما كان اسمه صِدقاً أو وفاء..
ما عُدتُ أذكر..فقلبي مُنهكٌ يشكو الشقاء..
أليس لكُلِّ داءٍ دواء؟؟
يا إلهي إنَّ في عروبتي داءٌ فأين هذا الدواء ؟؟
القُدسُ تغفو على وسادةٍ تملؤها الدِماء..
وبغدادُ تصحو على عويلِ أُمٍ..
على بُكاءِ طفلةٍ
على نهرٍ من دماءِ الشهداء
ونحنُ ننامُ ملئ جفونِنَا.. وكأنه لا يعنِينا أمرُ هؤلاء..
أيُّ ظُلمٍ هذا.. أيُّ جفاء..
& & & & &
في القُدسِ يا أصدقائي مِأذنةٌ حزينة تناديكُم حتى بُحَّ صوتُ مُؤذِنُها..
وفي القدسِ حجارةٌ ندِيَّة لها لغةٌ لا يفقهٌهَا الجُبناء..
وفي القُدسِ قِبلَةٌ أُولى تلثمُ الجبينَ إذا ما لامست مُصَلِّيهَا..
وفي القُدسِ نساءٌ لسنَ كباقي النساء.. يحبلنَ أبطالاً وينزِفنَ طُهرَ الدِماء..
وفي القُدسِ كهلٌ يزرعُ الزيتُونَ منذ فجرِ الأرض.. ولا زال بماءِ الصبر يرويها..
دُخانٌ نحنُ يا قدسُ..
سرابٌ نحنُ يا قدسُ..
فلا تسألي عُروبتنا كيف أضاعت ذلكَ المجدُ..
ولا تستغرِبي إذا ما أثمرَ فوقَ شِفاهِنا الصمتُ..
فنحنُ لنا ( بَيَادِيرٌ )* يزرعُونَ الأرضَ صمتا..
ويحرثونها صمتا
ويسقونها صمتا
فإذا ما ثارت الأشجار..وصار لها صوتا..
تَكَالبت عليها أيادي البَيَادِيرُ..
وقَصَّت لها الساقَ والجِذرُ..
فبَيَادِيرُنا يا قُدسُ.. قد تواطئوا مع السُكرُ..
فعاقِلهُم بلا عقلٍ.. وحكيمَهُم خِبلُ..
مساكِينٌ نحنُ يا قُدسُ.. مساكينُ..
فأنتِ حرةٌ ونحنُ مساجِينُ
فأنتِ حرةُ ونحنُ مساجِينٌ
* بَيَادِير: كلمة محلية وهي جمع ل (بِيدار ) وتعني الرجل المسئول عن فلاحة الأرض والإعتناء بها وسقايتها.
أحمد الخروصي.